تاريخ الربابة وأشكالها


جزء من تاريخ الربابة المشهورة في الوطن العربي

 يحدثنا الباحث البحريني علي أكبر بوشهري عن استخدام الربابة في عصر دلمون حوالي 2400 سنة قبل الميلاد، وهي مما عثر عليه في الأختام الدلمونية البحرينية، فيقول: « لقد عثر على نوع واحد من هذه الآلة، وهذه الآلة لم تكن موجودة لدى حضارات الرافدين، وهي دلمونية حسب اعتقادي. في أول الأمر اعتقدت أنها الآلة الموسيقية (الجنك)، إلا أن هذه الآلة تتصل أوتارها من الذراعين الجانبيين وليست عمودية مثل الآلة الدلمونية. ثم اعتقدت أنها من المحتمل أن تكون آلة العود القديمة خاصة أنها تتشابه من ناحيتين، العنق الرفيع الطويل وشكل الصندوق الصوتي الدائري. إلا أنني في النهاية وصلت إلى أن هذه الآلة هي لربابة استثنائية، حيث أنها ذات صندوق صوتي، دائرية الشكل مثل جوز الهند وليست مثل الربابة البدوية المعروفة ذات الصندوق الصوتي المربع الشكل، وهذا النوع يحمل ثلاثة أصابع في عنقها الطويل للحمل والشد على الوتر الوحيد للربابة. وأعتقد أن الذين استخدموا هذه الآلة هم من أصل سامي ولكن لم يكونوا من البدو بل من الحضر. وهذه هي الآلة الموسيقية الوحيدة التي عثر عليها ذات أصل دلموني ولم تقتبس من قبل الرافدين»1

وفي فلسطين يحكى أن الكنعانيون عرفوا آلة الربابة منذ الألف الثالثة قبل الميلاد، وكانوا يصنعونها بأيدهم كما هو الحال مع الربابة الحالية لكن صندوقها على شكل مثلث2، واتخذت شكل المستطيل فيما بعد من الأزمنة،  أثبتت البعثات الأثرية والدراسات التاريخية أن أقدم آلة موسيقية في العالم تم اكتشافها في بلاد الرافدين وهي القيثارة السومرية ويعود عمرها إلى أكثر من 4600 سنة. تم إيجاد هذه القيثارة التاريخية عام 1929 في مقبرة الملكة السومرية بو آبي شبعاد التي عاشت في عام 2450 قبل الميلاد، وهي معروضة اليوم في المتحف العراقي وتحديدا في قاعة السومريات في العاصمة بغداد، ويعتقد أن أصل الربابة يعزى أيضا إلى الأناضول وبلاد الرافدين منذ ما يقارب 4000 عام ويقال أنها تطورت وأصبحت تعرف فيما بعد باسم الجوزة، ومنهم من يرى أنها مصرية المنشأ وأن الفراعنة استخدموها في ألحانهم واحتفالاتهم وصوروها في نقوشهم الجدارية.. ولقد تم ذكر الربابة في الكثير من الأعمال الأدبية القديمة مثل مجموعة الرسائل للجاحظ كما أن الفارابي وهو أحد أهم الموسيقيين القدماء أورد شرحا ووصفا مفصلا لها في أحد كتبه وذكرها أيضا ابن خلدون في أعماله. ومن أهم الآثار التي تدل على عراقة الربابة وقدمها قطعة حريرية منسوجة تم العثور عليها في إيران وتصور آلة الربابة وتوجد في يومنا هذا في متحف الفنون في بوسطن. كما أن العرب أخذوا معهم الربابة إلى الأندلس عند فتحها ومن هناك انتشرت معرفتها والعزف عليها إلى أرجاء أوروبا وأصبح لها أسماء أخرى.

أشكال الربابة في التاريخ

مرّت الربابة عبر التاريخ بتغيرات في شكلها وعدد أوتارها، فقد كانت في السابق تُصنَع على شكل هيكل نحيل ومستدير من جلد الماعز، وبوتر واحد فقط مصنوع من شعر الحصان أو ألياف النخيل، وتسمى هذه الربابة؛ الربابة وحيدة الوتر أو الربابة ذات الوتر الواحد، والتي كانت تُصدر أربع نغمات فقط، ثم تطوّرت الربابة ذات الوتر الواحد بعد ذلك لتتضمن صندوقاً صوتيًا مستطيل الشكل إلى حد ما، مع زوايا بارزة وأضلع مقوَّسة للداخل، ولكنها بقيت بوتر واحد.3

وتعرف الربابة بأشكالها الهندسية المتنوعة وينسب كل شكل منها إلى بلد معين مثل المغرب الذي يشيع فيها استخدام الربابة ذات الشكل المدور،..

ومن أشكالها الأخرى4:

  1. الربابة المثلثة يقال أنها قديمة جدا
  2. الربابة المربعة
  3. الربابة المدورة
  4. الربابة ذات شكل القارب
  5. الربابة ذات شكل الكمثرى
  6. الربابة النصف كروية
  7. الطنبورة
  8. الربابة ذات الصندوق المكشوف..

كما ويقال بأن الربابة عرفت عند العرب قديما وكانوا يغنون أشعارهم على صوتها ومعهم انتقلت إلى الأندلس ثم إلى أوروبا وكان ذلك حوالي القرن الحادي عشر الميلادي، وكانت هذه الآلة العربية هي الجد الشرعي لجميع ما يعرف اليوم من الآلات الموسيقية الوترية التي يعزف عليها بواسطة الأقواس، ومن القصص الموروثة عن تاريخها هي الأقرب للواقعية كانت قصة ذلك الرجل وزوجته، حيث نشب خلاف بينهما اتهم الزوج زوجته اتهاما باطلا وأدرك فيما بعد أنه مخطئ، مما حدا بالزوجة للنزوح لأهلها رافضة محاولات زوجها في استرجاعها حتى بلغ بها ان اشترطت للعودة.. فقالت «لن أعود حتى يتكلم العود» وهي تقصد عود الشجر او الخشب، احتار الرجل في أمرها فذهب لعجوز حكيمة من أهل قبيلته وقص عليها ما حدث فقالت له الأمر بسيط، وطلبت منه إحضار عود من «عوشزه» نبات صحراوي يسميه البعض «عوسج» فأحضر ما طلبت وقالت له اخرق رأس هذا العود من الأطراف وفعل ذلك، وطلبت منه ايضا إحضار جلد «حوار» والحوار ابن الناقة فأحضره ثم قامت بحشو هذا الجلد بأوراق نبتة «العرفج» واخيرا طلبت منه إحضار سبيبا من ذيل الخيل وقالت اجعل هذا السبيب في العود الذي خرقته ثم قالت له اعزف الآن فعزف فإذا بالعود يتكلم اي (يصدر لحنا) ثم اسرع به الى أهل زوجته وطلب مقابلتها ليقول لها انه فعل المستحيل لإرضائها وها هو يلبي شرطها في العودة ويجعل العود يتكلم ثم أنشد بعدها هذا البيت:

يا بنت لا يعجبك صوت الربابة

تراه جلد حوير فوق عيدان 5

وتشير المصادر التاريخية إلى أن من اخترع الربابة هم قدماء المصريين، وانتقلت منهم إلى العديد من مناطق العالم، وأن العراقيين عرفوها في أواخر عصر الدولة العباسية عندما كانت بغداد قبلة للعلوم والآداب والفنون.6

ويقول الباحث راشد بن جعيثن عن الربابة (الآلة الوترية) لم أجد مصدراً أوفى من هذه الآلة دراسة وبحثاً في معرض من أشاروا لها، وبالتالي واجهتني صعوبة بالغة في تحديد الزمن الذي وجدت فيه هذه الآلة لأن جل ما كتب عنها لا يتعدى كونها طرب تقليدية مجهولة الزمان والمكان، وإذا توسع احدهم في بحثه وصفها مقتضباً. ولذلك ترك الدارسون علامات استفهام عديدة حيال هذه الآلة الوترية التي يقول أهل الجزيرة العربية: إن صوتها هو الصوت الوحيد المشابه لصوت الإنسان..
ولأن المصادر شحت بمعلومة وافية عن ذلك اتجهت إلى تدوين الرواية الشفوية المعتمدة على الأسطورة ولو أنها تفتقر إلى إقامة الدليل، وعلى سبيل المثال أسطورة أبي زيد الهلالي وعلياء والثعبان. وان أدركنا أن التغريبة الهلالية بدأت في القرن السابع وما بعده ثبت بطلان هذه الأسطورة الشائعة عند أهل الجزيرة العربية لأن الحسين بن زيد المتوفي عام 440 هـ وهو احد تلامذة ابن سينا قال: «الربابة هي أكثر من غيرها محاكاة للحن وتناسقاً معه» والربابة غير الرباب، ويقال أن نيرون بعد إحراق روما عزف على الرباب وذلك في عام 64 م، وكذلك استعملها العبرانيون والمماليك والسومريون والكنعانيون والفراعنة إلا أن المصادر الفنية المصرية تؤكد أن الطنبور هو الشائع والطنبور المصري له وتران أما الربابة فقد شاع استعمالها في مصر مع عرب الجنوب بني هلال. والتغريبة الأولى بعد القرن الثاني الهجري التي دخلت حضارة النيل ومعها بطن من سليم ولم يفترقوا إلا في برقة. المهم أن المصادر المصرية تؤكد أن الربابة لعرب الجنوب قراطمة اليمن وإذا صح ذلك فالربابة عرفها العرب في اليمن قبل العود، (المزهر)، أو (البربط) لأن أشعارهم في الجاهلية جاءت خالية من الإشارة إلى العود. ومن الباحثين من يقول أن الربابة فرعونية، وهذا يؤكد أن حضارة النيل الفرعونية سبقت حضارة اليمن الفنية. ولعل الربابة هذبت عن الطنبور الفرعوني الذي يعمل بوترين، وأخذت عنه الربابة بحيث يصبح الوتر الثاني القوس، ولكن الربابة عرفت مع عرب الجزيرة العربية بعد الإسلام لأن الشعراء في الجاهلية الذين هم اشد بني البشر في حب النغم لم ترد في أشعارهم البتة ولم نعثر على ما يبطل هذا الرأي في المصادر العلمية. أما بالنسبة لما بعد القرن الثاني الهجري فقد أوردنا رأي الحسين بن زيد الذي عاش آخر القرن الثالث الهجري والثلث الأول من الرابع الهجري، والرأي مفاده: «أن الفن بلغ في عهد خلافة المأمون والمتوكل ذروته، وكان للمغنين مكانه رفيعة يأتي بعدها الضاربون على العود، أما الجارون على الربابة فقد كانوا أدنى مرتبة». وهذه أدلة قطعية تفيد بوجود الربابة بعد عصر صدر الإسلام، ومن ذلك نستنتج أن الجذور التاريخية قديمة جداً كقدم الطنبور والشبابة، ولكن عرب الجزيرة عرفوا الربابة بدءاً من القرن الثاني الهجري بشكلها الحالي ذات الوتر الواحد، ولعل بداية القرن الثالث الهجري تعتبر البداية الحقيقية لانتشار الربابة الحالية.

 وأما مناطق انتشار الربابة

* بطبيعة الحال أخذت الربابة عدة أشكال مختلفة وهي آلة موسيقية وترية قديمة من ذات الاذرع الطويلة عرفها المصريون وأهل اليمن والهند وغيرهم وأطلق عليها المصريون اسم (النور) وقالوا أنها من نوع الروباب، وعرب الجزيرة العربية نقلوها إلى أوروبا عبر الأندلس وطوروها. والعزف على الربابة فن صحراوي عرف مع أبناء البادية الرحل ونقلها بنو هلال عبر مسيرتهم إلى مصر وتونس والمغرب وأفريقيا مؤخراً. وأصبحت الربابة الفن التقليدي الأول لأبناء الصحراء الرحل، ولو أن الاهتمام بها في الجزيرة العربية يبلغ ذروته في شمال الجزيرة العربية أي في سورية والأردن والعراق وشمال المملكة وكلما اتسعت رقعة الصحاري كبر شأن الاهتمام بهذه الآلة، وفي مطلع القرن الخامس عشر الهجري وبعد ازدهار الحركة الفنية المعاصرة ولولعي بالأدب الشعبي واصلت متابعة الرحلات من اجل أن اطلع على الأدب الشعبي في البلدان العربية وبالتالي اعرف الشيء الكثير عن الربابة وقد قابلت عرب السودان (الرشايدة) وادركت أن هذه الآلة الوترية سائدة ولا تختلف عن الربابة السعودية المعاصرة إلا في شكل الصندوق الخشبي أو طول الذراع أو قصره وكذلك مع الحويطات وجهينة من عرب مصر. وبالنسبة لعرب بادية مصر فالاختلاف يبرز في طول العيدان وكذلك عرب تونس لاحظت في آلاتهم صغر الحجم والربابة المغربية في صحراء المغرب لها أشكال مختلفة اقربها إلى ربابة عرب الجزيرة ربابة البربر، أما الربابة في شمال السعودية وسوريا والأردن والعراق فشكلها تقريباً واحد.7


المراجع

1-  المجلس الأعلى للثقافة – مصر 2004م. (صحيفة الثقافة الشعبية، العدد 59، البحرين)

2- آلة موسيقية شعبية نسيها الزمن، الربابة، د. إدريس جرادات، 2012م

3- "آلالت الموسيقية في العصر الجاهلي"، موقع جامعة دمياط ، 2022م.

4- موقع عرب 48، 2022م.

5- صحيفة الأنباء، الكويت، رئيس التحرير يوسف خالد يوسف المرزوق، 2011م

6- قناة الجزيرة، 2015م

7- صحيفة الشرق الأوسط، العدد 9062، 2003م 

نشأة الربابة جزء من تاريخها 

Abu Ismail al-Hilali

التاريخ بيت قديم، الأجداد يتهامسون فيه عن إرث مجيد والأحفاد يستمعون ويصغون لفهم الحياة

إرسال تعليق

توكل على الله حق توكله

أحدث أقدم

إعلان أدسنس أول الموضوع

إعلان أدسنس أخر الموضوع