سهرة الربابة



 سهرة الربابة تراث عربي في البادية مشهور أكثر من أي بيئة أخرى، وكان يجتمع الرجال في ديوان القبيلة أو العشيرة بعد العصر يسامرون فيه ويتناقشون ويتحدثون ويقصون القصص والحكايات والروايات والسواليف وكل يدلو بدلوه حول موضوع معين من موضوعاتهم وحواديثهم الكثيرة، والتي لها أول وليس لها آخر.. 

ون بين تلك القصص والسواليف لابد من سماع الربابة، والتي تتناول قصة أو موضوع فيه من المدح للرجال والفرسان والأبطال الأكارم والأجاويد، وفيه من ذم أهل الغدر والخيانة والبخل، وفيها من الفخر والاعتزاز، وفيها من الهجاء وفيها من الرثاء والتذمر والاستياء، وفيها من الكلمات والمصطلحات العربية التراثية، وفيها من الطرب والسرور وفيها من الحب والعشق وفيها من النصائح والحكم وقصص العبرة والعظة..

أكثر جلسات وسهرات الربابة تكون في فصل الربيع والصيف والليالي القمراء في بوادي العرب الجميلة، وفي المناسبات الخاصة والعامة كالأفراح والاحتفالات بختان الصبيان والإحتفالات بالنجاح والإنجازات والعودة من الحج والسفر، والأعياد الرسمية الدينية كعيد الفطر وعيد الأضحى، ومواسم الحصاد والرعي والمناسبات القومية والوطنية..

عازف الربابة شاعر متمرس محنك قوي ولبق ذو شخصية وهيبة لديه ثقافة واسعة، يحترمه الجميع ويمنحونه الثقة والمحبة والتقدير فهو قد يكون فارساً من فرسان القبيلة أو وجيها من وجهائها أو شيخاً من شيوخها، وصاحب نخوة وشهامة وكرم، يهابه الجميع داخل قبيلته وفي خارجها فهو اضافة لما سبق سفير بين القبائل ورجل إعلام في عصره يخبر عن وقائع وأحداث الناس فما تستحق المدح يمدحها ويشيد بها، وما تستحق الذم والهجاء يذمها ويهجوها ويندد بها، ولذلك يحرص الجميع على أن يظهروا محاسن أخلاقهم وجمال طبائعهم وصورهم ومظاهرهم ومخافة اللوم وانكاس الهيبة بين الناس وبين القبائل..

الجميع يستمع باصغاء وتفاعل مع قصائد وأشعار الربابة باعتبارها إرث وتراث ثقافي وتاريخي مشهور له صيت واسع بين قبائل العرب جميعها، والكل يعمل على تعلمها من صغرهم ومحاولة اتقانها ففي ذلك العصر القديم تقام جلسات لتعلمها على أيدي الخبراء في ديار العشيرة ويكاد لا يخلوا بيت من البيوت منها، كما أنها ترافقهم في رحلاتهم القريبة والبعيدة يطربون أنفسهم بسماعها ويرسلون رسائلهم من خلالها، حيث ينقلها كل من سمع منها مقاطع إخبارية أو إعلامية فتصل إلى غايتها، إنها محطة إذاعية في ذلك الوقت بلا منازع، ومحطة ثقافية أيضاً حيث يقال فيها قصائد ذات طابع ثقافي عظيم مثل غزوات الجهاد والحروب والوقائع والسيرة والقصص الدينية وقصص الأنبياء والصحابة والصالحين، وقصص العرب العظيمة القديمة منها والحديثة مثل قصص الحروب الجاهلية (أيام العرب) كقصص كليب وجساس والزير سالم وعنترة بن شداد وإمرؤ القيس وكذلك قصص العصر الأيوبي والفاطمي مثل دلهمة والبطال والسيرة الهلالية وما بها من أبطال وفرسان وحوادث وما شابه ذلك من قصص قديمة وحديثة ..

ويحافظ الشعراء دائما وأبداً من خلال أغاني الربابة على نشر التوعية والنصائح وبناء الشباب والفتية لخوض معارك الحياة وتذليل العقبات وبلوغ المقاصد والأهداف وتعزيز القيم والمبادئ العالية والنبيلة 


Abu Ismail al-Hilali

التاريخ بيت قديم، الأجداد يتهامسون فيه عن إرث مجيد والأحفاد يستمعون ويصغون لفهم الحياة

إرسال تعليق

توكل على الله حق توكله

أحدث أقدم

إعلان أدسنس أول الموضوع

إعلان أدسنس أخر الموضوع